الأربعاء , 28 أكتوبر, 2020 , 4:47 مساءً
الرئيسية / فن وأدب / ابن زريق في تجربة مع الحياة للباحثة : سمية مسرور
سمية مسرور كاتبة وشاعرة وإعلامية مغربية

ابن زريق في تجربة مع الحياة للباحثة : سمية مسرور

كتب :ســيد جــمــعــه ناقد تشكيلي و اديب

واحدة من المبدعات المغاربيات اللائي سعدت بالتواصل معها قبل سنوات ، الأن طالبة بالجامعة ، كان مما شدني إليها مع تعدد مهاراتِها وإهتماماتِها ، هو قدرتها العلمية المبكرة في تمهيد وتعبيد درجات وعتبات طريقها إلي طموحاتها التي لا سقف لها ؛ وحتي الأن .

وهذا مُقتطف قصير من سيرتِها الذاتية ، قبل ان نمضي معا لبحثٍ لها قدمتهُ لكليتها وفاز بإحتفاءٍ وتقدير مُتميز ، ليس لكونه عن الشخصية التي تناولتها غير شهيرةٍ ، لكن ايضا لإعادة لفتح ملفات مبدعين كانت لهم بدايات غير مسبوقة .

وهذه نبذة من سيرتها الذاتية :

ﻣﺆﻟﻔﺔ ﻓﻲ ﻣﺠﺎﻝ ﺍﻹﻋﺎﻗﺔ ﻋﺒﺮ ﺍﻟﺼﻔﺤﺔ ﺍﻹﻟﻜﺘﺮﻭﻧﻴﺔ‏ لدى ‏فضاء نسرين للقدرات المختلفة‏

تعمل لدى ‏جامعة مولاي اسماعيل- مكناس-\\ كلية الاداب و العلوم الانسانية\\‏

‏مؤلفة في مجال الإعاقة عبر الصفحة الإلكترونية‏ لدى ‏فضاء نسرين للقدرات المختلفة‏

كانت تعمل لدى ‏مجلة رؤية قلم‏ ،‏مراسلة‏ سابقة لدى ‏مجلة الضياء‏ ،إعلامية و صحفية‏ سابقة لدى ‏الوان للثقافة والفنون‏ ،‏راديو مهاجر‏ سابق لدى ‏شاعرة و كاتبة‏

درست ‏كلية الاداب و العلوم الانسانية‏ في ‏ثانوية اﻹمام الغزالي‏ ،تقيم في ‏مكناس‏ ،المملكة المغربية

وزارة التعليم العالي والبحث العلمي جامعة مولاي إسماعيل بمكناس كلية الآداب والعلوم الإنسانية قسم اللغة العربية وآدابها التخصص: مادة اللغة العربية
فرع: الشعـــــر القديــــــــــــم
إعداد الطالبة: سمية مسرور
المـــــوضــــــوع:

ابن زريق في تجربة مع الحياة

تحت إشراف: سعادة أ. د. عمر رشيد
مقــــــــدمة:
-إن المتأمل في القصائد الشعرية يجد نفسه بالدرجة الأولى أنه أمام تجربة مرتبطة بالإنسان، وحياته، وممارسته العاطفية والنفسية والاجتماعية على حد السواء ومن هذا المنطلق فإن الناظمين في القصيد الشعري عادة ما يكتبون بفعل تأثرهم بالأحداث أو المتغيرات التي تطرق عليهم من مختلف جوانب الحياة وابن زريق واحد من الشعراء الذين عاشوا حياة مريرة في جميع مراحلها وهذا ما أثر في كيانه النفسي والشعوري ليكون بذلك شاعر المعاناة والتضحية من الأجل الحب ومن أجل الحياة وفي هذا البحث سنطرح تجربة كاتب وشاعر ألمه الزمن لتولد من وطأة هذه الظروف القاسية أجمل قصيدة شعرية لشاعر لم يُعرف إلا بها وسميت:
{بعيون الأدب العربي} وكناية عنها لقب ناظمها وكاتبها:
{بأبو القصيدة اليتيمة} وأيضاً:{فراقية ابن زريق}
وألقاب أخرى…، ومن التساؤلات نطرح
من هو ابن زريق؟ وما حكاية ابن زريق؟
وهل ابن زريق وهم أم حقيقة؟
وما سر قصيدته اليتيمة؟
والمصادر التي اهتمت بالترجمة لابن زريق؟
ابن زريق نشأتهِ :
هو أبو الحسن علي أبو عبد الله بن زريق البغدادي توفي سنة ١٠٢٩، ولد في بغداد وهذا جعله يكون ملقبا بالبغدادي، عاش يتيماً منذ طفولته حيث مات والديه في سن مبكر وقد احتضنه وكفله عمه منذ وقتها، وكان لهذا العم فتاة وكانت تعتبر من أجمل فتيات بغداد وكان اسمها هند فوقع بحبها ابن زريق ومن الشواهد نهر دجلة العراقية أجمل أنهر العالم لم يكتفي بحبها بل عشها عشقا بالغاً وكنا معا يشكلان واحدة من أروع قصص الحب في تاريخ العرب منذ تلك الحقبة لليوم ولكن الحياة عاكسته كثيرا ولم تترك له فرصة الحياة الكريمة رفقة محبوبته فعاني من ضيق الفقر وشدة الحاجة ذلك ما دفع به للبحث عن مصدر للمال فكانت رحلاته كثيرة ولكنه كان يعود خالية الوفاض كما ذهب إلى حين سماعه أن بلدا تسمى الأندلس تهتم بالشعراء وشعرهم فقرر الذهاب إليها ويتقرب من أحد وجهائها وكان أبا الخير بن عبد الرحمن الأندلسي من الأمراء الذين يهتمون بالفنون القولية وفي طليعتها الشعر وكان معروف عنه أنه يمجد كل شاعر يستحق التمجيد ويهديه مالا وجاها وعزة بين أهله وفي الأندلس .
رحلة الغياب الأبدي لابن زريق وعصره .
إن رغبة الإنسان الفقير قبل الشاعر أخذت بابن زريق إلى اتخاذ قرار السفر وهو السفر الذي يحمل في طياته المغامرة
والمصير المجهول لكن بالمقابل هو الحل الذي وجده شابا يعاني قهر الاحتياج فكان ذلك الاختيار الأكثر شجاعة وجرأة في حياة ابن زريق، بدأت رحلته من بغداد إلى الإسكندرية ومنها إلى القيروان وأخيرا إلى الأندلس حيث يوجد هدفه، فقام بنظم قصيدة بالغة عن الأمير أبا الخير عبد الرحمن الأندلسي ومدحه مدحا
جليلا، فأعطاه العطاء القليل وقال:” ابن زريق بحزن كبير إنا لله وإن إليه راجعون سلكت القفار والبحار إلى هذا الرجل فأعطاني هذا العطاء القليل “.
فتذكر هند زوجته وبنت عمه وما ارتكبه فيها وما تحمل من مشاق ومتاعب وصعاب فاعتل غما ومات بعدها.. ولكن المتداول عن أبا الخير أنه تعمد إعطاءه القليل قصد اختباره وبعد أن انشغل عنه فترة وجيزة أرسل رجاله للبحث عنه في الخان وجدوه ميتا وعند رأسه مكتوبة قصيدته العينية، فبكاه عبد الرحمن الأندلسي بكاءً حارا وقال: ” وددت لو أنه حيا وأشاطره نصف ملكي” ومن أشهر الأقوال عن ابن زريق قوله: ” من ختم بالعقيق وقرأ لأبي عمرو وتفقه للشافعي وحفظ قصيدة ابن زريق فقد استكمل الظرف”.
ديوان ابن زريق
تتجلى خصوصية الديوان الشعري أنه يجمع عدد من القصائد الشعرية أو أن يكون لناظم قصيدة تظم ١٠٠٠ بيت شعري وعندما نرى تجربة ابن زريق الشعرية نجد أن تجربته لم تصل لحد أن تكون أو تصنف بديوان وذلك يعود لأسباب كثيرة أولا أنه لم يعرف إلا بقصيدة واحدة وثانيا عدد الأبيات الموجودة في هذه القصيدة والتي يصل عددها إلى الحادية والثلاثون بيتا شعريا وهي أقل من الأعداد المطلوبة لتكون بمثابة تصنيفها بديوان شعري، وإن كانت من أجمل وأروع ما كتب في الأدب الشعري، ولو أن بعض الدارسون يعتبرونها بديوان شعري ….
الشعر في عصر ابن زريق
عرف عصر ابن زريق أنه عصر الفقراء لدى الشعراء لأن الاهتمام كان متجها لغير الفن بشكل عام وهذا ما دفع بالكثير من الأدباء إلى إنشاء جمعيات قصد دعوة أولياء القرار والحكام إلى اهتمام كذلك بهم ونحو هذه الفئة النخبوية من الناس ولكن دون جدوى وهذا أيضا ما أخذ بالكثير إلى تغيير أراضهم والرحيل عنها نحو مدائن وأوطان أخرى بعيدة أو مجاورة ومنهم كان ابن زريق الذي تسلح بالكلمة الموزونة والشعر الفصيح متجها إلى أماكن عديدة باحثا عن حياة أفضل …
والشعراء كانوا ينقسمون إلى ثلاثة أصناف وهم :
الصنف الأول : الشعراء والأدباء من الأمراء والوجهاء والأعيان والوزراء …
والصنف الثاني: الشعراء المعترفون بهم وبمهاراتهم الشعرية كونهم يسترزقون من خلال المدح أو الهجاء ..
والصنف الثالث: الشعراء المتدرجون من الهواة الذين أتقنوا الشعر من خلال الممارسة والتعلم حتى أتقنوا نظمهُ.
وابن زريق كان موهوب أي من الصنف الثالث الذين حولوا هوايتهم إلى احتراف كبير ودليل ذلك القصيدة التي عرف بها والتي تحتل مكانة رفيعة في الأدب العربي …
أصحاب القصيدة الواحدة
تحتفظ ذاكرة الادب العربي، وربما العالمي ايضا، بخاصية ادبية اثيرة ومهمة، وان كانت لم تأخذ حقها من دراسات النقد الادبي العربي بشكل وافر ومستفيض، هي خاصية شعراء الواحدة، عرفوا بقصيدة واحدة وتميزوا بواحدة وخُلدوا بواحدة ليس لأنهم عاجزين بل لأنهم أكثر نبوغا ربما من شعراء تتعدد قصائدهم وتطول ولكن أصحاب الواحدة ميزتهم أن قصيدة واحدة سلّمتهم صكوك البقاء الأبدي، ولم تكن لهم قصائد أخرى أمثال: كتوبة بن الحمير، ومالك بن الريب، وسحيم عبد بني الحسحاس، وابن زريق البغدادي، والمَنخًّل اليشكري..
الاستمرار وقد امتازت قصائد شعراء الواحدة بخصائص فنية عالية منحتها
وديمومة البقاء ان قصائد السابقين من شعراء الواحدة تميزت نتيجة ما انطوت عليه من ابداع وصدق فني مبنى ومعنى سوغ لها ان تكون واحده، ولم يكن يدور في خلد شاعرها ان تكون واحده، ولم تكن لديه نية مسبقه في جعلها كذلك، فهي ليست واحده لكثره القراءة والترديد من قبل الشاعر ذاته، انها واحده بذاتها دون مؤثرات وضرورات جانبية، أو ضوضاء، فحفظت وسارت على الألسن، وهذا سر بقائها وشهرتها انها قصيده اختارها الآخرون وليس الشاعر …
صراع الطبقات بين بغداد والأندلس
لكل زمان صراعاته ولشبابه طموحات كثيرة وأبناء بغداد كانوا أبناء الحياة وحالمين بمستقبل مريح إلا أن الظروف في العراق كانت تشهد تراجعا كبيرا
ومتلاحقا ذلك ما دفع بعدد كبير منهم للهجرة نحو بلدان آخرى وكانت بالنسبة لتلك الحقبة الأندلس موطن تحقيق الأمنيات حيث كانوا يهاجرون إليها رغبة في تغيير الحياة وتحسين مستواهم الاجتماعي إلى جانب ذلك فإن بغداد كانت تشهد صراعات في مختلف مجالات الحياة …
صراع ثقافي واقتصادي واجتماعي وسياسي وتحت وطأة هذه الظروف فإن الشباب في بغداد كانت تراودهم أحلامهم الوردية التي يصعب تحقيقها في وطنهم الأم إنه الواقع المرير الذي لازال موجدا وحيا في حياتنا المجتمعية حتي اليوم وشبابنا لازال باحثا عن الهجرة وتغيير الحياة …
المراجع التي اهتمت بالترجمة لابن زريق
يشهد التاريخ الأدبي من حيث اهتمام الدارسين بفكرة الحديث عن تجربة أدبية اشتهر بها شاعرا وكانت واحدة لم تكن تشغل الدارسين ولم تجد اهتمام من قبل الشعراء بمعارضتها أو النقاد والدارسين في تحليلها واستخراج ما خفي فيها. ولكن نذكر ممن ترجموا في كتبهم له لابن زريق :
كتاب الامتاع المؤانسة لمؤلفه: التوحيدي
كتاب : *الامتاع والمؤانسة* لمؤلفهِ : لأبي حيان التوحيدي
وجاء ذكر لابن زريق في مطلع الحديث كشاعر مجهول دون تحديد هويته ومن يكون واستحضر بقصيدته فراقية ابن زريق وببعض الأبيات هنا وقال:
استودع الله في بغداد لي قمراً
بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه
ودعته وبودي لو يودعني
صفو الحياة وإني لا أودعه
فقد اهتم المؤلف في كتابه هذا بذكر تفاصيل الوداع الحار بين العاشق والمعشوق وكيف كانت لوعته من وجع اللحظة وألم الفراق بين قسوة الحياة والمصير المجهول في هذا السفر.
لكن للأسف الشديد لم تنسب لصاحبها وبالمقابل نسبت لشعراء آخرين أمثال أبو الفرج محمد بن أحمد الدمشقي والملقب بالوأواء الدمشقي.
كتاب: مصــــــــارع العشاق لكاتبه جعفر السراج
كُتب عنه كذلك في كتاب مصارع العشاق لكاتبه: جعفر بن أحمد بن الحسين السراج والذي كان مهتما بجمع قصص مصارع العشاق ومغامراتهم وذكر القصيدة بكاملها وهو من أسماها باسم فراقية ابن زريق وفي سياق الكتاب نجد أن السراج أخذ سرد التجربة من الجانب السردي أي بمستوى الحكايات السدرية الشعبية فيقول في كتابه:
حدثني بعض أصدقائي أن رجلا من أهل بغداد قصد أبا عبد الرحمن الأندلسي وتقرب إليه بنسبه فأراد أبو عبد الرحمن أن يختبره فأعطاه شيئا نزراً وفقال البغدادي ابن زريق {إنا لله وإن إليه راجعون! سلكت البراري والبحار والقفار إلى هذا الرجل فأعطاني هذا العطاء النزر؟} فانكسرت إليه نفسه واعتل فمات واسترسل في الحديث وهو يذكر تفاصيل هذه الواقعة مبينا فيها
الندم الشديد الذي عانى من ابن زريق الذي درج في قصيدته واتخذ نهج السرد في الحكاية إلى الأسلوب الخبري حفاظا علي مصداقية المصدر وأيضا ما يساعد في إثبات أن القصة ليست خيالا وأنها واقعا.
رواية: عابر سنين للكاتب د. أحمد الدوسري
كما نجد من المحدثين الكاتب د أحمد الدوسري الذي قام بتأليف رواية بعنوان {عابر سنين} والتي تصنف في الأدب بالتجربة الغيرية في إطار ما يصطلح عليه بالأدب التجريبي وهو الذي يهتم بسرد سير الشخصيات عموما سواء سيرة ذاتية أو غيرية، فقد كتب الدوسري عن رحلة ابن زريق في سنة ٤٧١ للهجرة حيث
انطلاق الحكاية ومنذ أن توجه من بغداد إلى الإسكندرية ومنها إلى القيروان وأخيرا إلى الأندلس حيث يوجد هدفه. استخدم كل ما تم تداوله في حياة ابن زريق مع دراسة عميقة ودقيقة لقصيدته الوحيدة وجمع بين كل هذا ليؤكد لنا أن هذه الشخصية واقعية وهي عابرة لسنين فقط كونها عانت من غربة الحياة والكلمة والحب.
كما أننا نجد البعض من الدارسين اهتموا بالكتابة عن أصحاب الواحدة أو أصحاب القصيدة الواحدة، وقد أشاد عدد منهم بأن هؤلاء الشعراء وإن كانوا مقلين أو قلائل نبغوا أكثر من غيرهم في كتابة القصيدة وتخليدها في الكيان الأدبي والشعري فقد صنفوا كذلك هذه القصائد تحت التصنيف اليتيمات والمشهورات والمنسيات من الشعر الأدبي وهي أكثر الأعمال إبداعا وجمالا.
خــــــــــاتمـــــة:
ابن زريق هو الإنسان والشباب الذي تلقى طعنات مؤلمة من الحياة والفقدان وغربة الأماكن والأوطان وهو الشاعر الذي خلد بالحب والعشق وهو المهاجر باحثا عن تحقيق الأمنيات ولكنه عاش خيبة أمل مريرة، ابن زريق حال كثير من الناس إن لم أقل جميعهم فإن لم يكن يمثلهم في تفاصيلهم فإن فصتهُ، تشبههم في مرحلة من المراحل، وهو الشاعر الذي اعترف به الأدب قلما شاعريا نابغا كتب القصيد الخالد في قصيدة واحدة وأخذ بها ما لم يأخذه شاعر بديوان كامل، فليست
العبرة هي كثرة الإنتاج وغزارته بل جودته ومستواه وإنني لأمتن كثيرا لأستاذي الذي شرفني بمعرفة هذه الشخصية التاريخية والأدبية البارزة وإن كنت أستطيع نصفه ولو قليلا فإني سأعد نفسي أن أحفظ قصيدة العينية التي أنجبت أعظم شعراء الحب والحياة والمعاناة ….
يتيمة / عينية / فراقية / مظلومة: ابن زريق البغدادي
وتعرف وحيدة ابن زريق بأسماء كثيرة أهمها العينية كناية عن قافيتها التي هي حرف العين وتعرف بفراقية ابن زريق لأن موضوعها كان هو الفراق وتعرف أيضا باليتيمة لأن مؤرخي الأدب لم يذكروا له سوى هذه القصيدة الفريدة وهي :
لا تَعذَلِيه فَإِنَّ العَذلَ يُولِعُهُ
قَد قَلتِ حَقاً وَلَكِن لَيسَ يَسمَعُهُ
جاوَزتِ فِي نصحه حَداً أَضَرَّبِهِ
مِن حَيثَ قَدرتِ أَنَّ النصح يَنفَعُهُ
فَاستَعمِلِي الرِفق فِي تَأِنِيبِهِ بَدَلاً
مِن عَذلِهِ فَهوَ مُضنى القَلبِ مُوجعُهُ
قَد كانَ مُضطَلَعاً بِالخَطبِ يَحمِلُهُ
فَضُيَّقَت بِخُطُوبِ الدهرِ أَضلُعُهُ
يَكفِيهِ مِن لَوعَةِ التَشتِيتِ أَنَّ لَهُ
مِنَ النَوى كُلَّ يَومٍ ما يُروعُهُ
ما آبَ مِن سَفَرٍ إِلّا وَأَزعَجَهُ
رَأيُ إِلى سَفَرٍ بِالعَزمِ يَزمَعُهُ
كَأَنَّما هُوَ فِي حِلِّ وَمُرتحلٍ
مُوَكَّلٍ بِفَضاءِ اللَهِ يَذرَعُهُ
إِذا الزَمانَ أَراهُ في الرَحِيلِ غِنىً
وَلَو إِلى السَندّ أَضحى وَهُوَ يُزمَعُهُ
تأبى المطامعُ إلا أن تُجَشّمه
للرزق كداً وكم ممن يودعُهُ
وَما مُجاهَدَةُ الإِنسانِ تَوصِلُهُ
رزقَاً وَلادَعَةُ الإِنسانِ تَقطَعُهُ
قَد وَزَّع اللَهُ بَينَ الخَلقِ رزقَهُمُ
لَم يَخلُق اللَهُ مِن خَلقٍ يُضَيِّعُهُ
لَكِنَّهُم كُلِّفُوا حِرصاً فلَستَ تَرى
مُستَرزِقاً وَسِوى الغاياتِ تُقنُعُهُ
وَالحِرصُ في الرِزقِ وَالأَرزاقِ قَد قُسِمَت
بَغِيُ أَلا إِنَّ بَغيَ المَرءِ يَصرَعُهُ
وَالدهرُ يُعطِي الفَتى مِن حَيثُ يَمنَعُه
إِرثاً وَيَمنَعُهُ مِن حَيثِ يُطمِعُهُ
أستَودِعُ اللَهَ فِي بَغدادَ لِي قَمَراً
بِالكَرخِ مِن فَلَكِ الأَزرارَ مَطلَعُهُ
وَدَّعتُهُ وَبوُدّي لَو يُوَدِّعُنِي
صَفوَ الحَياةِ وَأَنّي لا أَودعُهُ
وكم تشفّعَ بي أن لا أُفَـارِقَهُ
وللضروراتِ حالٌ لا تُشفّعُهُ
وَكَم تَشبَّثَ بي يَومَ الرَحيلِ ضُحَىً
وَأَدمُعِي مُستَهِلّاتٍ وَأَدمُعُهُ
لا أَكُذبُ اللَهَ ثوبُ الصَبرِ مُنخَرقٌ
عَنّي بِفُرقَتِهِ لَكِن أَرَقِّعُهُ
إِنّي أَوَسِّعُ عُذري فِي جَنايَتِهِ
بِالبينِ عِنهُ وَجُرمي لا يُوَسِّعُهُ
رُزِقتُ مُلكاً فَلَم أَحسِن سِياسَتَهُ
وَكُلُّ مَن لا يُسُوسُ المُلكَ يَخلَعُهُ
وَمَن غَدا لابِساً ثَوبَ النَعِيم بِلا
شَكرٍ عَلَيهِ فَإِنَّ اللَهَ يَنزَعُهُ
اِعتَضتُ مِن وَجهِ خِلّي بَعدَ فُرقَتِهِ
كَأساً أَجَرَّعُ مِنها ما أَجَرَّعُهُ
كَم قائِلٍ لِي ذُقتُ البَينَ قُلتُ لَهُ
الذَنبُ وَاللَهِ ذَنبي لَستُ أَدفَعُهُ
أَلا أَقمتَ فَكانَ الرُشدُ أَجمَعُهُ
لَو أَنَّنِي يَومَ بانَ الرُشدُ اتبَعُهُ
إِنّي لَأَقطَعُ أيّامِي وَأنفقُها
بِحَسرَةٍ مِنهُ فِي قَلبِي تُقَطِّعُهُ
بِمَن إِذا هَجَعَ النُوّامُ بِتُّ لَهُ
بِلَوعَةٍ مِنهُ لَيلى لَستُ أَهجَعُهُ
لا يَطمِئنُّ لِجَنبي مَضجَعُ وَكَذا
لا يَطمَئِنُّ لَهُ مُذ بِنتُ مَضجَعُهُ
ما كُنتُ أَحسَبُ أَنَّ الدهرَ يَفجَعُنِي
بِهِ وَلا أَنَّ بِي الأَيّامَ تَفجعُهُ
حَتّى جَرى البَينُ فِيما بَينَنا بِيَدٍ
عَسراءَ تَمنَعُنِي حَظّي وَتَمنَعُهُ
قَد كُنتُ مِن رَيبِ دهرِي جازِعاً فَرِقاً
فَلَم أَوقَّ الَّذي قَد كُنتُ أَجزَعُهُ
بِاللَهِ يا مَنزِلَ العَيشِ الَّذي دَرَست
آثارُهُ وَعَفَت مُذ بِنتُ أَربُعُهُ
هَل الزَمانُ مَعِيدٌ فِيكَ لَذَّتنا
أَم اللَيالِي الَّتي أَمضَتهُ تُرجِعُهُ
فِي ذِمَّةِ اللَهِ مِن أَصبَحَت مَنزلَهُ
وَجادَ غَيثٌ عَلى مَغناكَ يُمرِعُهُ
مَن عِندَهُ لِي عَهدُ لا يُضيّعُهُ
كَما لَهُ عَهدُ صِدقٍ لا أُضَيِّعُهُ
وَمَن يُصَدِّعُ قَلبي ذِكرهُ وَإِذا
جَرى عَلى قَلبِهِ ذِكري يُصَدِّعُهُ
لَأَصبِرَنَّ لدهر ٍلا يُمَتِّعُنِي
بِهِ وَلا بِيَ فِي حالٍ يُمَتِّعُهُ
عِلماً بِأَنَّ اِصطِباري مُعقِبُ فَرَجاً
فَأَضيَقُ الأَمرِ إِن فَكَّرتَ أَوسَعُهُ
عَسى اللَيالي الَّتي أَضنَت بِفُرقَتَنا
جِسمي سَتَجمَعُنِي يَوماً وَتَجمَعُهُ
وَإِن تُغِلُّ أَحَدَاً مِنّا مَنيَّتَهُ
لا بُدّ في غَدِه الثّاني سَيَتْبَعَهُ
وإن يدم أبداً هذا الفراق لنا
فَما الَّذي بِقَضاءِ اللَهِ يَصنَعُهُ
معارضات التي جاءت في قصيدة ابن زريق
لي بالحجاز غرام لست أدفعه
لأبي بكر أحمد العندي
لي بالحجازِ غرامٌ لست أدفعُه *** ينقادُ قلبي له طوعاً ويتبعُهُ
يهزني البرقُ مكياً تبسمَهُ *** إذا ترأى حجازياً تَطلُعه
وتزدهيني لقاءُ الوفدِ ألحظه *** من جودهِ وحديثُ الركبِ أسمعُهُ
وفائحُ الريحِ مسكياً تأَرُّجَه *** من طيبِ رياه ندياً تَضوعُه
وهاتف الورقِ في فرع الأراك به *** يرددُ اللحنَ شجوا أو يُرْجِعُه
كل إلى حبيب من أماكنه *** ممكن الفضل في صدري ممتعه
جيادُه والصفا من ومروته *** ومتكاه وما يحوي مربعه
وأخشباه وواديه وأبطحه *** جديبة لا أرى جدْباً ومرتعه
ومرفقُ الحجِ في شامي معرفه *** وما تجدُ مناً منه وتجمعُه
والبيتُ فالبيتُ أعلا إن أحدُ لهْ *** وصفاً وتعظيمه عن ذاكَ يرفعُه
في حيث حجاجهِ يعلو وقصْدُهُ *** عزاً وسُجَّدَه تسمو وركَّعُه
ومنهجُ الفوزِ بادِ القصد واضحهُ *** ومنهلُ الجودِ طامِيْ الورد مترعُه
وفي ربا يثربَ غاياتُ كَلُّ هوى *** يحلُّ عن موقع الإشراقِ موقعُه
أفق الشريعةِ والإسلام طالعة *** شموسه مستجاس النصر منبعه
حيثُ النبوةِ مضروبٌ سرادقُها *** والفضلُ شامخٌ طود الفضلِ أفرعُه
وحيثُ كان طريقُ الوحي متضحاً *** بين السماءِ وبين الأرضِ مهيعُه
وخاتمُ الأنبياءِ المصطفى شرفاً *** محمد باهرِ الإشراقِ مضجعه
صلى الإلهُ عليه ماتكرر بالصلوا *** ت فرضُ مصلٍ أو تطوعهُ
والمسجد الأشرفُ الساميُ لموضعهِ *** معقودُ تاجُ العلا منه مرصَّعُه
وللشفاعة أبوابٌ مفتحةٌ *** مُشَفَّعٌ مَنْ بمعناها يُشَفَّعُه
محل قدسٍ وتشريفٌ يُجرُّبه *** ذيلُ الجمالِ على ذي المال يدفعه
تشبُ نيرانُ أشواقي عليك هوىً *** إليه ليس سوى مرآهُ ينفعه
ويستمدُ حنيني كلَّ منحنى *** منه وعامره الزاكي وبلْقَعُه
عقيقُه وقباهُ والبقيعُ وما *** تحذَّى أُحدُ لمن في الله مصْرَعُه
تلك المواقفُ لا بغداد موقفه *** والكرخ مصطافه فيها ومرْبَعُه
وهي الهوى لا رُبَى نجدٍ ورامتُه *** ولا العذيبُ وواديهِ وأجْرعُه
مستنزلُ الفوزِ والغفرانِ مَهْبطُه *** ومُلْتقى كُلَّ رضوانِ ومجمعه
أَحبُّه وأُحِبُّ النازلين به *** وما تضُم نواحيه وأربُعُه
طبعاً جُبلتُ عليه في الغرامِ به *** وأين من طبع من تهوى تَطْبعُه
كساني الحبُّ ثوبَ الافتتانِ به *** ولستُ حتى بخلع الروح أخلعه
أستودعُ اللهَ فيه كلَّ منفردٍ *** بالفضلِ يودِّعُ شجواً منْ يودِّعُه
تكادُ تجري مجاري النفس جملُتهُ *** لُطفاً ويُذْهلُ مرآه ومسمعه
وجيرةُ لي جوار الله ينزعُ بي *** شوقٌ إلى قربهم في الله مَنْزعُه
من كلَّ مِنْ بغض الدنيا تورُعُه *** عنها وبُغضِ مايحوي تبرَّعُه
كأنما الروضُ يجلو ما يفُوقُه *** مِنْ خَلْقِه ويوشي ما يَوشِّعُه
فيا سنا البارقِ المكيُّ يُشْهِر منْ *** إيماضِة الأفقُ غُصناً أو تُشَعْشِعُه
قل للأحبة عني قولُ من حنيت *** على الوفاء لهم والشوق أظلَعه
هل حافظ عهد ودي مَنْ حفظتُ له *** على النوى عهدَ ودٍّ لا أضيعه
أم هل تجرعه ما يجرعني في البعد *** كأس الأسى أم لا تجرعه
أم هل يهز إدكاري قلبه طرباً *** وتستهل كدمعي فيه أدمعه
وإن يكن طال مرمى البين إذ قطعت *** يداه ما ليس أيدي الوصل تقطعه
فما تغيرت عن محض الصفاء لهم *** ولا تكدر وردٌّ طاب مشربه
محلُّ كلُّ حبيبٍ حيثُ يعلمه *** مني وموضعه في القلب موضعه
هيهاتَ ما شغفي مما تقسمه *** سوانح الرأي أو مما توزعه
فلا عدمتُ هوى منكم يحاولني *** فيه النوى بسلّو عزّ مطعمه
وحيثما الركب يبدى من حديثهم *** ما يخبر القلب تعليلاً ويصدعه
وحبذا طيب أنفاس النسيم سرى *** عنهم كما فاح مسكٌ فُضَّ مودِعه
فهل أخو دعوة في الله تنهض بي *** عنايةُ الذكرِ منه أو تضرعه
وجاد تلك الربى هام يبجسه *** يجول من مائه فيها تميعه.
يروم صبراً وفرط الوجد يمنعه … سلوّه ودواعي الشوق تردعه
إذا استبان طريق الرشد واضحه … عن الغرام فيثنيه ويرجعه
محلاً ذاده عن عذب مورده … جور الزمان وطام عزّ مشرعه
مشحونة بالجوى والشوق أضلعه … ومفعم القلب بالأحزان مترعه
تصبيه أن هتفت ورقاء ضاحيةً … في كلّ يوم لها لحنٌ ترجعه
تسنّمت من غصون البان مرتعداً … تحطّه الريح أحياناً وترفعه
خضباء ضافية السربال ناعمة … جنابها دمث الأكناف ممرعه
لا إلفها نازحٌ تنهلّ أدمعها … عليه وجداً كما تنهلّ أدمعه
عاثت يد البين في قلبي لتقسمه … على الهوى وعلى الذكرى توزّعه
كأنّما آلت الأيّام جاهدة … لمّا تبدّد شملي لا تجمّعه
روّعت يا دهر قلبي بالبعاد وكم … قد بات قلبي ولا شيء يروعه
وأنت يا بين قلبي كم تذوّقه … مرّ الأسى وفؤادي كم تجرعه
وكم مرامٍ لقلبي ليس يبلغه … تصدّه عنه أسباب وتمنعه
من لي بمن قلبه قلبي فأسمعه … بثّي فيبسط من عذري ويوسعه
قلّ الوفاء فما أشكو إلى أحدٍ … إلاّ أكبّ على قلبي يقطعه
يا خالي القلب قلبي حشوه حرقٌ … وهاجع الليل ليلي لست أهجعه
إن خنت عهدي فإني لم أخنه، وإن … ضعيت ودّي فإنّي لا أضيعه
هذا مقام ذليلٍ عزّ ناصره … يشكو إليك، فهل شكواه تنفعه؟
يلومه في الهوى قوم وما علموا … أنّ الملامة تغريه وتولعه
من لا يكابد فيه ما أكابده … منه ويوجعني ما ليس يوجعه
تمرّ أقوالهم صفحاً على أذني … مرّ الرياح بسلمى لا تزعزعه
ومن المغاربة فقد عارضها أحمو الحسن الأحمدي خريج مسابقة أمير الشعراء بقصيدة غزلية بهي بعنوان {كاترين}، والتي نظمت بما جاء في هذه السطور:
رِفْقاً بِهِ.. لَفَحَاتُ الْوَجْدِ تُدْمِعُهُ
يَا رَبَّةَ الْحُسْنِ آيُ الْحُسْنِ تَصْرَعُهُ
نَبَتْ بِهِ الدَّارُ لاَ كَأْسٌ تُؤَانِسُهُ
ولاَ الْمَوَاوِيلُ مِنْ فَيْرُوزَ تَنْفَعُهُ
نَاوَلْتِهِ مِنْ وِدَادٍ أَلْفَ مُتْرَعَةٍ
فَلَيْتَ رَبْعَكِ يَا كَاتْرِينُ مَرْبَعُهُ
لاَ تَعْذِليهِ إِذَا مَا اعْتَلَّ مِنْ وَلَهٍ
لَطَالَمَا مَاتَ مُضْنَى الْقَلْبِ مُوجَعُهُ
مِنْكِ اسْتُبِيحَ فَلاَ حِصْنٌ يَلُوذ بِهِ
وفِيكِ وَحْدَكِ مَا يَلْقَاهُ أَجْمَعُهُ
فِي صَهْوَةِ الْحُبِّ مَا تُبْدِيهِ أَدْمُعُهُ
وَيَعْلَمُ اللَّهُ مَا تُخْفِيهِ أَضْلُعُهُ
image_pdfimage_print

اترك تعليقك