الثلاثاء , 20 أكتوبر, 2020 , 1:51 مساءً
الرئيسية / مقالات / الأسلوبية والتعبير الابداعي الحزين في المجموعة القصصية الأولى للكاتبة العراقية ميادة الحسيني : (حكايات من مدينتي )
الكاتب والشاعر العراقى سعد الساعدي

الأسلوبية والتعبير الابداعي الحزين في المجموعة القصصية الأولى للكاتبة العراقية ميادة الحسيني : (حكايات من مدينتي )

كتب : سعد الساعدي

يصدر قريباً عن دار المتن للطباعة والنشر في بغداد المجموعة القصصية الاولى للكاتبة الموصلية ميادة الحسيني التي توثق فيها جرائم عصابات داعش في مدينة الموصل وآثار الدمار الذي لحق البشر قبل الحجر .
واذا كنا نعلم ان من مجموع افكار ومشاعر نفسية تصل الى حدّ الإنفعال ، ينطلق الكاتب الى مشروع كتابته بأسلوبه الادبي الذي يريد ، فهو من هناك يشتغل على وظيفة انتاجية تخرج أخيراً أمام العيان على شكل منجز أدبي ، او اعلامي معين يقرر مستواه الإبداعي ، أو العدم ، من يقع بين يديه ذلك الانجاز سواء كان ناقداً ، أو قارئاً متابعاً لما يُشر في أية وسيلة اعلامية متاحه أمامه .
الكاتبة ميادة حمزة لا تختلف عن غيرها في ما تسعى اليه من إيجاد صورة ابداعية حدّدت ألوانها مسبقاً لتجسد بكلمات ما جرى في مدينتها الموصل بعد أن سيطرت عليها عصابات داعش الاجرامية ، فأخرجت لنا صوراً خاصة عن الحياة الفردية والجماعية ، ما بين محادثات وآهات ، ومشاعر حزينة ضمن باكورة أعمالها القصصية التي هي بين أيدينا الآن ( حكايات من مدينتي ) وهي عبارة عن سيناريوهات قصصية جاءت بين خواطر ووصف دقيق لما عاشته هي شخصياً ، وسمعته في ساعتها الطويلة هناك .
لقد عادت بنا الكاتبة من جديد الى ( السجع ) الجميل بعد ان ابتعدت عنه الكتابات الحداثوية ، فنجده في الكثير من قصصها سردته بطريقة فنية سهلة الأخذ بعيداً عن التعقيد والترميز ، او ما كان يسمى بسجع الكهّان . جاءت بلغة ( شعرونثرية ) وازنت بها كتاباتها بسهولة بالغة من أجل إيصال رسالة الى المتلقي بلا عناء ، رغم ما تحمله تلك الرسالة من أحزان ، وجراحات دامية ظلّلت نصوصها .
النهايات الواحدة بحرف موسيقي واحد جعل التناسق ، والتناغم اللفظي في كتاباتها تخرج عن المألوف ، وتحدد مسارها الجديد ، وهي تخوض تجربة الكتابة الاحترافية لأول مرة . 
وكلما حاولت الخروج من ( السجيع ) عادت اليه من حيث لا تشعر بتقطيعات ، ومقاطع غير منقوصة الفواصل والبيان الواضح جداً بجمالية بلاغية كظاهرة فنية حضرت هنا بقوة في : حكايات من مدينتي ، بسرد نثري انشائي متين ، في حين غردّت عبر قصص كثيرة أخرى بلا علامات سجعية مقيدة، أو حاجزة للنص لتكتب بأسلوبها الحر المفتوح ، كما في قصة : ألم الروح، أنفاس تحت التراب ، روح دلال ، ولا أريد ان اموت ؛ التي تقول في مقطع منها : 
( ما حصل عندما وصلت بنا خطانا الى بداية الشارع؛ انفجار كبير هزَّ أرجاء المكان ، لم نعلم ماذا جرى ، مثل عاصفة مرّت وتركت أثراً كبيراً.. بعد انجلاء غبارها وشرّها المميت ، سقط الجميع على الأرض ، وتطايرت أشلاء ، ونزفت دماء ..)
في ( صباح العيد ) تصوّر الكاتبة احد المشاهد :
(عجينة خبز على قطعة من حديد فوق اعواد من الخشب المحترق ، وخيوط من النار تكاد تنطفئ اذا ما مرّت عليها نسمة هواء ، يجلس بقربها طفلان ينتظران نضوج خبزتهما كي يأكلا منها قطعة لن تسدّ الجوع ، ولكن لا بديل لهما منه )
مفردات ميادة حمزة – في بعض الأحيان – بمقطع من أحد قصصها يمكن ان تشكل قصة قصيرة جداً، كاملة المعنى .
ثم تتسع تلك الجمل السردية في نصوص اخرى لتصل الى قص حكائي يكبر شيئاً فشيئاً مناسباً مع قصر الفقرة وطولها بصرياً ، وسمعياً لمن يريد ان يقرأ بصوت مسموع كما في البرامج الاذاعية التي تصلح لها مثل هكذا قصص.
جاءت بعض نصوص الكاتبة قريبة من كونها خاطرة ، او قصيدة نثرية او سردية تبوح عن مكنونات ، وخلجات نفسية دفينة نابعة من أرض خصبة للكتابة ترسبت فيها المعاناة التي عاشتها هي بالذات طيلة شهور وسنوات ، وربما الى الآن باقية، ففي ( انسدال الستار أو مسرح الدمى ) تتجلى السردية التجديدية بوضوح اكثر :
( مسرح صغير على ناصية الرصيف وطفل يجلس على صندوق خشب أصغر منه يترقبّ بلهفة ظهور دمى ملونة تحركها خيوط و يظنّ انها حقيقية كما البشر …) 
في ( بوح كف ) يلاحظ ظهور النص السردي كقصيدة اكثر منه نثر مترسل ، تقول في بوح كف: ( امسكت بكف يده ،
ومابين خطوط كفه ، وبوح الجن
اطلتُ النظرَ ، ثم ابتسمتُ ،
وخضت في ماضي قلبه ، والقادم
لا بل كلّ جوهره ، فتوقفت ،
وبدأتُ أدقق في تفاصيل خطوطه ، فانبهرتُ ،
وأدهشني ما ظهر فيها
لا بل خفتُ ، قلت لعلني تسرعت …)

وثّقت الكاتبة الكثير مما جرى من احداث في مدينة الموصل العريقة بحضارة نينوى وتراثها وجمالها بعد ان تحطم كل شيء على أيدي عصابات الإجرام من داعش ، واعوانهم . لغتها غنية بمفرداتها ، وأسلوبها ككاتبة واعدة لمرحلة جديدة قادمة على ساحة الأدب العراقي ، وربما العالمي لاحقاً في محاولة منها لترجمة نصوصها ، وارسالها خارج الوطن كسفير سلام يوصل رسالة السلام الى العالم.
نحن هنا لا ندرس شخصية عبقرية اثرَت الساحة بعطائها الإبداعي الفذّ ، لكننا نقف عند موهبة بيئية منتجة ، بعيداً عن استنطاق نصوصها لانها عرضت تقريرياً بلا مزاج لعناصر شخصية فردية . اذن تجدر الاشارة هنا لدراسة الأدب العراقي التصويري الوثائقي بعمق اكثر من التي تختنق برمزية فيها الكثير من القتامة رغم ما تحمله من رموز الجمال والانفتاح .
هنا ايضاً فرض الزمن والمكان نفسيهما نظرياً ، وعملياً في حقيقة السرد الموضوعي الذي لا يميل الى تراكيب مجزأة تستدعي نظرة كلية للتأمل وفك الرموز ، أو محاولة سبر اغوار الكاتب – أي كاتب كان ؛ حتى العفوية واضحة كتجنيس فني معتدل ، أو بسيط من خلال استلهام القيم والموروث الحضاري والانساني استحضاراً للواقع، وهذا ما يدعو القارئ للمتابعة والسير مع النصوص ، من واحد لآخر بكل ما حمل كقارئ من خلفية ثقافية ، وبكل ما يحمل النص من بنى تتراوح مفاهيمها ، وادوارها بدأً من المجتمع ، والسياسة ، والاقتصاد، مروراً بتاريخ و جغرافيا تلك الطبيعة ، وذلك الواقع الى آخر كلمة وقفت عندها الكاتبة التي فرحت كغيرها بتحرير مدينتها وانتجت لنا : ( حكايات من مدينتي ) كبداية لمشوارها ، وهذا ما يؤكد أسلوبيتها التعبيرية المكشوفة بجمالية النصوص الحزينة في مستواها الفني ، واللفظي ، اضافة للنظم، والمعنى المؤثر ( التراجيديا ) مع خيال منسق أحياناً بانتقاء مفصّل برز كوظيفة اجتماعية..
في اسلوبها الذي أحكم خواصه الصورية ، نجحت ميادة حمزة في بناء التشكيلات التي أرادتها عبر ذلك الزمن الحزين الذي صبغته دماء الأبرياء بطريقة كتابية كلاسيكية – تجديدية حزينة

image_pdfimage_print

اترك تعليقك