الخميس , 24 سبتمبر, 2020 , 3:12 صباحًا
الرئيسية / فن وأدب / ” ابوة ركوة ” من ملامح القنصٍ و الإبداع السردى
ســيــد جــمــعــه ناقد تشكيلي وأديب

” ابوة ركوة ” من ملامح القنصٍ و الإبداع السردى

لـ لكاتب محمد ابراهيم عبد العاطى
هذا ما كتبهُ اديبنا مُنهياً بهِ مجموعتهِ القصصية ” أ بــو ر كــو ة “
“…إننى فى خلوتي تظهر لى عرائس الأفكار ، تأخذنى فوق جناحيها إلى أعلي أُمارس لُعبة الإبداع منفصلاً عن إيقاع العادى ، و منفلتاً من المكرورِ ، أعيدُ صياغة اللحظاتِ فى آلقِ الحزن والفرحِ ، أمر من ثقب لحظةٍ منضغطةٍ مأسوية إلى رحابةٍ لا اعرف متى تنتهى حتى اَفيقُ .
إنني محمد عبد العاطى ذلك العامل البسيط أعود إلى همىّ الذاتى مرة أخرى .. آخذ دائما من الناس ِ ، وأحبُ مرةٍ أخرى فيهم همومهم ، سقطاتِهم .. فرحهم.. ، دائما هناك ما يحلو لى أن اُسميهِ الحدوتة في كل شئ – كل شئ – هو حدوتة لها بداية و لها نهاية .. لها ” تكة ” خاصة أحاول البحثُ عنها .
حتى الأن أشعرُ بأننى لم افرغُ ما بداخلي ..دائما هناك ” حرقة ” الكتابة “
وهذا ايضا ما سوف نُدركهُ و نحن نقرأ فى هذه المجموعة القصصية الأولى لِكاتبنا و التى تتكون من 24 قصةٍ قصيرة لا تتجاوز اطول قصة صفحتان مِن الحجم الصغير ؛ لكنها أدبياً قصصاً جديرة بالأحتفاء و قراءات مُتعددة لها .
العنوان أبو ركوة – وهو إسم إحدى قصص المجموعة – والركوة لغويا هى ” إناء صغير مِن جلدٍ يُشربُ فيه الماء ، كما جاء بالمعجم الوجيز إصدار وزارة التربية والتعليم ولكن العامة اطلقوا إسم ” الركوة ” على ما يوقد فيه النار للتدفئة أوغيرذلك مِن إستخدامات وفي العادة تصحب الركوة سهرة لتبادل الحكىّ و تبادل الهموم والأفراح ، والنكات والذكريات ..الخ ، و بهذا العنوان سيضعنا من خلال هذه المجموعة إمام إهتماتهِ الخاصة التي اشرنا إليها عاليه وتمثلُ الّهم الفكري في بحثهِ عن ” التكة ” أو الثقب الذى يمرُ منهُ إليها ، ومن ثمّ تبقى ” حرقة ” الكتابة ، ” مُتلازمة ” أُسوة بمتلازمات العصر النفسية التى تلحقُ بالبعضِ .
و غلاف المجموعة البسيط ربما يُشيرُ ” الجمل ” إلي الجهد والصبرِ الذى تحملهُ الكاتب لِيقدم تجربةٍ ناجحة لعاملٍ بسيط حيث يقول :
” وحيداً كنت أواجه ما بداخليّ في إنبهارٍ غامض .. مُتسلحاً بذاتى العارية تماماً – فى ذلك الوقت – مِن كل ما هو قادرٍعلى التعبير ؛ لا تعليم ؛ ولا ثقافة ولا إحتكاك بالوسط الأدبى إلا من خلا ل إحتضانى في اواخر الليل ِ لِكتابٍ – احاول فض – رموزه ببطء ساحر علنى أصلُ إلي جوهرة اللغة المُعبرة .. عذابٌ يفوق الحدود ؛ ورغبةٍ جارفة للبحث و تثقيف الذات . ” .
وقد نجح بالصبرِ والإجتهاد أن يصلُ إلي لغتهِ الخاصة و المعبرة بِتمكن وقدرة دقيقة و واعية باللغة وإسلوباً ذا خصوصية في التعبير المُميز ؛ الأمر الذى مكنهُ من الإختراق السلس إلى جموع النخبة من المبدعين والنقاد الذين شهدوا لهُ ، فأفسحوا لهُ مكانةً تليقُ به ؛ وهو جديرٌ بها .
إن جوهر الإبداع في هذه المجموعة القصصية ( 24 ) قصةٍ يَكْمنُ في لغتهِ السردية وديناميكية الصورة أو المشهد الذي يتناول فيه ” الحدث ” ففى كلماتٍ قليلة يستطيعُ بناء هيكل المشهد أعمدةٍ و بناءٍ ؛ بل والقدرة أن يترك فِناءً و مساحةٍ للقارئ لإستكمالهِ و مشاركاً إيجابياً في البِناء ، فإذا كانت عناصر البناءِ هي الحرفِ والكلمة و الفراغ الذي بينهما وايضاً علامات الترميز المعروفة ، وايضا حريصا على وجود الترابط بين السابق واللاحق منهما دون أن يُفقدهما بأي خللٍ مُحتمل من جراء الإختزال أو الإسهاب في العبارة ؛ فهو يوفر لهما الإستقامة حيناً أو الإستدارة حيناً آخر مِن خلال الإيقاع الحركي في إختيار الكلمة والحرف المُناسب مِن مُعجمهِ الخاص ، سنجد الزمكانية السابقة والآنية للحدث من خلال شخصية ” الكهل ” مواصفات مظهره الخارجي وايضا الصفات الذاتية وهما لهما الدور الأكبر لتحريك الأحداث أو المشهد و مِنهما وعلي القارئ أن يلتقط مضمون هذا المشهد أو الحدث الكامن في و المستتر تحت هذه المواصفات والصفات التي قنصها المبدع من خلال الثقب الذي حدثنا عنه لِينفذ إلي تجربته و محاولاتهِ الإبداعية .
لِنقرأ معا
( ا لـــكَــهْــل )
” بديوي رجل صعيدي ذا قامة عريضة ، تجده في ذروة العمل يرتدي جلبابا نظيفا مكويا و علي منكبيه ترقد كوفية لامعة بخطوط مزركشة ، ملابسه كأنها خرجت من عند المكوجي في التو ، قبل ان يرتديها ، و بكل هذا الهندام يقف يتعامل مع الزبائن ، بإنفة و تأفف معتزاً بنفسه جدا ، حتي أنك تخاف أن تتحدث معه بدون شراء ، و في حالة الشراء فمن الأفضل وهو خير لك أن يكون الحديث ما قل ودل لأنه لن يعطيك الفرصة في الحديث في غير الشراء حتي وهو جالس بلا عمل ، يدخن النرجيلة علي الرصيف امام محله .
بديوي اسمر بلون الشمس المصرية ، طويل القامة عريض المنكبين ، نحله شغله بين الخضار و الفاكهة المفروشة داخل المحل وخارجه ، يدو ويلف بين الفرش و الميزان ودرج النقود ، تساعده زوجته و بناته في العمل و الحراسة و الطهي و نظافة المحل و فرز الخضار والفاكهة و رشها في اقفاص و عرض هذه الأقفاص بحسب كل نوع في مكانه .. هذا ما كان منذ اكثر من اربعين عاما ثم اغلق المحل لأكثر من عشر سنوات أو خمس عشر ثم أعيد فتحه في الألفية الثالثة ليظهر بديوي كهلا و اقل هنداما من ذي قبل و بدون زوجته و بناته ، ولكن معه سيدة في سن بناته تتحكم في كل أموره ، وتقذف المارة بكلام سمج و الفاظ لا تفهم بلهجة صعيدية ، و كتب اعلي المحل لا فتة ” المحل للبيع ” و يجلس بديوي علي كرسي قديم يدخن النرجيلة و امام المحل شئ من الخضار وتجلس تلك السيدة بجانب الحائط علي كرسي منخفض جدا ، فلا احد يلتفت نحو البديوي ولا يري اللافتة علي المحل .”
هذا نموذج سردي له إيقاعهِ وديناميكيتهِ تكمن في التنقل بين ماضي مُكتملٍ بكل ضروراتهِ و مُتسق مع الصورة الآنية للمشهد و بنفس الضرورات المُكملة والمُتممة للصورة فكأننا امام ومضةٍ ” زماكانية ” علينا الإمساك و القبضُ عليها و قراءتِها قبل إرتعاشة جفوننا !
ايضا يتمثلُ الإبداع في تقنية هذه المجموعة أن الكاتب من خلال هذا الثقب الذي توصل إليه بعد إقتناص المشهد من خلال معايشته العملية بين مستويات بيئية مختلفة و مُتعددة نجدهُ و بتقنية السرد السابق الحديث عنها ؛ أن ملامح وخلفيات الشخص أو الشخصيات و دوافعها و افكارها السابقة أو الأنية هي التي تحركُ الحدث و تنتقل به بين الماضي والحاضر اللحظىّ و اللاحق و كأن امام أعيُننا لقطة أز مشهد سينتهى سريعاً ؛ وعلينا الإمساك بشئٍ منها ؛ فالمشهد أو الحدث عند الكاتب ” شبيه بــ ” ومضة بصرية ” لا يجب أن نغفل للحظة عنها ؛ لِذلك فإن الكاتب يَعمدُ أن تكون اللقطة مُكتملة ” زمنيا و مكانيا ” بعناصر ودلالات لها أهمية ولازمة للقارئ بِقدر تحصيلهُ ؛ وقدرِ إستطاعتهِ للمُشاركة مع المُبدع في بناء أو إستكمال المشهد ” الومضة ” ، و بنفس القدرة السردية نراه يَنفذُ مِن خلال هذا الثقبٍ إلى الجانب الآخر من الإبداع وهو إبتكار المشهد المناسب لرؤية فكرية عميقةُ الدلالات الفكرية و الإنسانية لتأريخ فترة زمنية .
كما سِنقرأ معا فى هذه القصة
( مــــعــا ر ك )
” صحا من سباته الذى أصابه بعد طول القراءة سقطت يده اليمنى إلي جواره بسبب إصابنها بشلل مؤقت ، نتج عن تنميل مد يده اليسري ليدلك بها يده اليمنى المصابة .. كان يجلس علي كرسىيه ماركة ” العافي ” الخيرزان و المتوسط القدم .
أمام مكتبه كان يجلس ، وبعد ذهاب النعاس عنه ، تبين له ان الكتب سقط بعضها من فوق المكتب ، على الأرض نظر .. قرأ شخصية مصر لـ ” جمال حمدان ” فلسفة الثورة لـ ” جمال عبد الناصر ” … خريف الغضب لـ ” محمد حسنين هيكل ” فمال نحو الأرض لرفع كتاب هيكل فوجده منبطحا فوق البحث عن الذات لــ محمد انور السادات — فقال وهو يضحك ، حتى الكتب ..! ” .
لقد إخترتُ هاتين القصتين من بين ( 24 ) قصة قصيرة لا يتجاوز عدد صفحات كل قصةٍ منهم الصفحتين يوضحان القدرة على إقتناص المشهد ثم إعادة تصويرهُ بلغة سردية مُكتملة الأركان .
و اختتمُ بهذه السطور التى ذًيّل بها مجموعتهِ القصصية :
” كان على إذن أن اتحلي بالمثابرة ، والبحث عن الذات .. بين السطورأفتش عن الجملة المراوغة منى وهى مُختزنةٌ فىّ .. داخل ذاتى تلك المشاعر و الأحاسيس المُؤجلة المُتمثلة في خيوط تنسج الحكايات داخل مُخيلتي فتطول سعياً للخروج و لكنها .. تجلدني و تحرق صدرى حتي استطعت في يوم ان اكتب بضع سطور لا أعرف كنهها أو إنتماءها هل للشعر أم للقصة تكون … ؟ . “
image_pdfimage_print

اترك تعليقك